بعد مرور ما يقارب الثلاثة عقود في التجربة الوقفية المعاصرة في العالم الإسلامي , يتساءل العديد من العاملين في القطاع الوقفي حول المنجزات التنموية للتجربة ومدى نجاحها في تطوير مؤسسات تعليمية , و صحية , و اجتماعية التي شهدت في أغلب الدول الإسلامية منذ نهاية القرن العشرين تراجعا كبيرا مع تغير أجندة الدولة و فسح المجال للقطاع الخاص في تشكيل المشهد الاجتماعي , و الاقتصادي . هذه الأسئلة مهمة للغاية , ومن الضروري الوقوف عندها و محاولة الإجابة عنها كجزء من ترشيد الصحوة الوقفية و توجيه مسارها إلى ما هو أفضل .
غير أننا نعتقد كذلك ان جزءاً من إنجازات القطاع الوقفي يفترض أن يرتبط بالبنية التحتية العلمية ذات العلاقة المباشرة بموضوع الوقف , و نقصد بالبنية الوقفية تحديدا توافر العناصر الاتية :
1- الأطروحات النظرية حول موضوع الوقف , و مسائله الفقهية , و الإجتماعية , و الاقتصادية التي تنشر في الكتب , والبحوث أو التي تستعرضها و تناقشها الندوات الفكرية .
2- مراكز بحوث تدرج موضوع الوقف في أجندتها البحثية سواء كموضوع رئيس أو في علاقاته بمسائل رئيسية أخرى .
3- شبكات أو جمعيات تربط الباحثين و المهتمين بالوقف من خلال شبكة علاقات علمية , مثل علي سبيل المثال لا الحصر جمعية دراسات الشرق الأوسط (mesa) .
4- مكتبات متخصصة سواء أكانت ورقية أم إلكترونية .
5- تدريس مساقات جامعية يكون الوقف أحد مواضيعها الأساسية .
6- إنتاج برامج سمعية , و بصرية حول التجارب الوقفية التاريخية , والمعاصرة .
ومن الطبيعي أن تطرح التساؤلات - شمن مقاربة متكاملة للتجربة الوقفية المعاصرة حول مدى نجاحها في تحقيق قدر كاف من مكونات هذه البنية العلمية التي تغذي بشكل مباشر التعامل الفكري مع موضوع الوقف .
إن العمل على كشف خارطة دقيقة لهذه القاعدة العلمية أمر مهم للغاية يسمح في حالة تحقيقه برصد كل ما يتعلق بالعملية الفكرية في موضوع الوقف , ومن ثم الوقوف على هناتها , و أوجه قصورها و بالتالي تحديد إستراتيجية تطويرها و تحقيق أهدافها .
نحن لا نشك في أن كثير من بلدان العالم الإسلامي تتوافر لديها إمكانات علمية سواء من خلال وجود العديد من المهتمين بالبحث في موضوع الوقف ممن ينشرون كتبهم و بحوثهم , أو من خلال توافر مكتبات , أو عن طريق عقد الندوات ذات العلاقة . غير أن السمة الغالبة على هذة الإمكانات هي أنها لاتزال مشتتة , و غير مترابطة , و لا تستجيب لإستراتجية متكاملة تأخذ على عاتقها تشبيك كل المكونات , و ربطها بعضها ببعض وفق رؤية تكاملية هدفها بناء قاعدة علمية تعظم استفادة المختصين , و المهتمين أينما كانوا , و من ثم عقد الصلة بين هؤلاء المهتمين أنفسهم من جهة , و بينهم و بين مؤسسات القطاع الوقفي من جهة ثانية حتى تتمكن هذه الأخيرة من استثمار هذه الاراء لتطوير تجربتها .
و من الأمثلة البينة على هذا القصور تكرار المشاريع الوقفية , و البدء في الكثير من الأحيان من نقطة الصفر أي دون الاستفادة من الخبرات التي تكونت في هذا البلد أو ذاك .
كما لا يزال الباحثون في موضوع الوقف مشتتين دون رابطة علمية تجمعهم وتلم شملهم على غرار الكثير من الاختصاصات الأخرى داخل , و خارج العالم الإسلامي - يتمكنون من خلالها من التعرف إلى حالة تخصصهم , و بالتالي استثمار كل جهودهم العلمية لصالح احتياجات العمل الوقفي في بعديه المحلي و الدولي .
كما يلاحظ و بشكل ملفت عدم استثمار القطاع الوقفي للثروة التكنولوجية , و ثورة الاتصالات و قد مضى على انطلاقها ما يقارب العقدين . فحتى الان لا توجد على شبكة الانترنت مكتبة مختصة في المراجع الوقفية التاريخية , و المعاصرة رغم وجود عشرات المكتبات الغربية على الشبكة العنكبوتية في مواضيع مشابه مثل التطوع .
في هذا الاتجاه يأتي مشروع مجلة أوقاف في عقد سلسلة من الندوات النوعية لطرح هذه المسألة . حيث تسعى أوقاف كجزء من مهامها الفكرية إلى إشعار المؤسسات و كذلك المختصين من عاملين , و علماء , و باحثين , و أكاديميين , بأهمية طرح مسألة بناء قاعدة علمية للوقف على بساط البحث . و وضع أجندة عملية لتحقيقه , و توزيع الأدوار بين الأطراف ذات العلاقة .
تأتي في هذا الاتجاه الندوة الدولية الأولى لمجلة أوقاف التي سوف تعقد إن شاء الله مع نهاية شهر مارس 2008 , حول القضايا المتعلقة باستشراف توجهات العمل الوقفي في القرن الحادي و العشرين . و لعل ما يميز محاور هذه الندوة هو تطرقها بشكل مباشر إلى تسليط الضوء على جزء أساسي من هذه القاعدة العلمية , و بالتحديد فيما يتعلق بمضامين الكتابة الوقفية المعاصرة داخل , و خارج العالم الإسلامي , و بالتالي التعرف بشكل علمي إلى حالة الحقل .
و يمكننا الإشارة في هذا الباب إلى جزء من الأسئلة الهامة التي سوف تطرحها الندوة :
0مدى التوازن بين التجربة الوقفية في بعديها العلمي والعملي , و استجابة الكتابة الوقفية المعاصرة للمسائل الاجتماعية , و الاقتصادية المطروحة في المجتمعات الإسلامية .
0آفاق الكتابة الوقفية في تطوير نماذج عملية أكثر مواءمة لروح العصر .
0مدى علمية ما يكتب حول الوقف و هل هناك فوارق نوعية فيما يكتب حوله داخل العالم الإسلامي و خارجة ؟
إن طرح مسألة الكتابة الوقفية على بساط البحث العلمي , و إجراء عمليات تمحيص و نقد لها , يندرج في صلب المهمة التي نبهنا عليها آنفا , و المتعلقة برصد علمي لمكونات بنية الوقف العلمية , و تحليلها , و بيان أوجه قصورها , و ربطها بباقي عناصر هذه البنية حتى تمارس دورها بكفاءة وتنجح في دفع القطاع الوقفي , و دعم التوازن بين أبعاده العلمية و العملية .
إن بناء قاعدة علمية في موضوع الوقف ليست عملية هينة وتستوجب بالتالي توافر العديد من الشروط لعل من أهمها :
ترسيخ مبدأ العمل الجماعي من خلال تكاتف الجهود بين الدول الإسلامية على الأقل تلك التي تولي اهتماما رسميا و شعبيا بالوقف . ومن الطبيعي أن تلقى المسؤولية في هذا الإطار بالدرجة الأولى على المؤسسات الوقفية من جهة , و على المختصين من أكاديميين ومهتمين بموضوع الوقف .
القطع مع منهجية العمل المشتت و الموسمي و سعي العاملين في القطاع الوقفي إلى تبني إستراتجية متكاملة تسعى لاستثمار ما هو موجود , و العمل بشكل جماعي و مخطط على تأمين الشروط الأساسية لمناخ علمي متكامل يمثل الرافد الأساسي للتجربة الوقفية
لقد طرحنا في افتتاحية العدد الحادي عشر لمجلة أوقاف مسألة علاقة الوقف بالنهضة , و أهمية أن تناقش هذه العلاقة بكل أبعادها . و في هذا العدد الثالث عشر تنشر أوقاف ثلاثة بحوث تقترب بزوايا مختلفة من هذه المسألة من خلال تقديم نماذج تاريخية لا يزال بعضها حيا تحدد الإمكانيات الذاتية للوقف التي تأهله لكي يكون مشروعا إصلاحيا .
في هذا الاتجاه تحلل الباحثة هند مصطفى وقفية الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل التي أوقفتها في مصر في بدايات القرن العشرين , مدرجة مدلولاتها الاجتماعية ضمن الصراع الفكري الذي شهده العالم الإسلامي حول مسائل الإصلاح , و المشاريع التي طرحت منذ تلك الفترة . و تحدد عناصر الرؤية الإصلاحية للواقفة من حيث اهتمامها بعلاج أزمة الأمة و ليس القبيلة أو الفئة أو الطائفة و تنمية التزام الأفراد تجاهها , و طرحها لرؤية متقدمة للتنمية تركز على الاستثمار البعيد الأمد في المعرفة , و العلوم بهدف التمكن من عناصر القوة , وتوليدها ذاتيا , و التوجه نحو إصلاح الخلل الذي اعترى رؤية أفراد هذه الأمة من خلال اهتمام الوقفية الخاص بموضوع المرأة .
و في نفس هذا الإطار يقدم الكاتب محمد الارناؤوط وقفية مدرسة الغازي خسرو بك في سراييفو التي اسمرت بعملها منذ القرن السادس عشر وحتى أيامنا هذه . تبرز أهمية مثل هذه الوقفية في كونها تقدم لنا أدلة واضحة حول دور الوقف في بناء الحضارة الإسلامية في مناطق مختلفة في العالم , و بالتالي إمكانية المساهمة في أي مشروع يستهدف نهضة الأمة .
وتتعقب الباحثة وداد العيدوني أحد الأدوار التي تلعبها الوقف داخل الحضارة الإسلامية من خلال بحثها و المسمى " حماية القاصرين في نظم الوقف ببلاد المغرب و الأندلس " . حيث تستعرض أشكال حماية حقوق القاصرين , ورعاية شؤونهم في الغرب الإسلامي , مبررة آثار هذا الدور في ترسيخ أنماط سلوكية تحفظ توازن المجتمع , و تسد حاجات أساسية بشرائح اجتماعية لها خصوصيتها .
كما يتضمن العدد طرحا لإشكاليات معاصرة تجابه الوقف . حيث يتعرض الباحث عمر سراج أبو رزيزة لمسألة الضوابط , و القواعد المتعلقة باستبدال الأوقاف من خلال دراسته لحالة الأوقاف التي تجاور المسجد الحرام . لقد عكست الطفرة العقارية حول المسجد الحرام ظهور بعض إشكاليات وقفية تستحق الدراسة و الضبط خاصة عندما يتعلق الأمر بتعرض بعض الأوقاف و المواقع الأثرية لتصرفات مقصودة من بيع و شراء ليستبدل بها مساجد , و مبان في مناطق أخرى الأمر الذي يفقدها الأغراض الرئيسية التي وقفت من اجلها و وبالتالي تعطيل شروط الواقفين . وقد استعرض الكاتب آراء العلماء في استبدال الأوقاف مستخلصا أهمية الحفاظ على الدلالات التاريخية للأوقاف مع إيجاد الحلول الفنية لتطوير المنطقة المركزية حو المسجد الحرام دون الإخلال بالأركان و شروط الوقف .
و يكتب خالد عبد الله الشعيب " الترتيب الافرادي و الجملي في الوقف المرتب الطبقات " مستعرضا الحكام الفقهية الخاصة بترتيب استحقاقات الذرية ذات العلاقة بالوقف و موضحا أهمية المدلولات اللغوية و العرفية في تحقيق شرط الواقف .
كما يتضمن هذا العدد بحثا باللغة الانجليزية للباحثة رهام خفاجي حول دور الوقف في التصدي للسياسات الاستعمارية , بعنوان " ما بعد السياسة : دور الوقف في التصدي للاستعمار في مصر (1882-1952) " , حيث تسلط الباحثة الضوء على إستراتجية المؤسسات الجماعية و الاقتصادية (و الوقف منها بالتحديد ) في الحفاظ على مقومات الأمة الإسلامية من محاولات الإدارات الاستعمارية تمزيق مختلف الروابط و الوسائط الاجتماعية و الاقتصادية , و عمليات الإحلال و الإنزال التي تفنن فيها الاستعمار . وتشرح الباحثة كيف تكيفت مؤسسة الوقف لعملية التصدي الحضاري , ونوعت من أساليب المحافظة على مقومات المجتمعات الإسلامية .
أسرة التحرير